المشهد في شوارع الرياض وجدة والدمام اليوم لا يكتمل دون أسراب الدراجات النارية التي تحمل شعارات تطبيقات التوصيل الشهيرة، وهي حركة تعكس طفرة استهلاكية هائلة، لكنها في جوهرها تخفي جرحاً مالياً ينزف في ميزانيات المطاعم والمقاهي. يجد صاحب المشروع نفسه أمام معضلة حقيقية؛ فبينما تزداد أعداد الطلبات بشكل يوحي بالنجاح، تتقلص الأرباح الصافية بشكل مخيف نتيجة العمولات التي تلتهم أحياناً أكثر من 30% من قيمة الفاتورة. بصفتي خبيراً مالياً، أرى أن الكثير من المطاعم باتت تعمل “موظفاً” لدى هذه التطبيقات، حيث تقدم الجهد والمواد الخام والعمالة، بينما يذهب نصيب الأسد من الربح إلى وسيط رقمي يمتلك “البيانات” ولا يمتلك “المطبخ”.
يقع معظم أصحاب الأعمال في فخ “النمو الوهمي”، حيث ينبهرون بحجم المبيعات الكلي (Gross Sales) متناسين أن العبرة دائماً بما يتبقى في الحساب البنكي بعد خصم التكاليف. تطبيقات التوصيل تعزل المطعم عن عميله؛ فهي التي تمتلك رقم هاتفه، وبريده الإلكتروني، وتفضيلاته الشرائية، وتترك للمطعم فقط مهمة تحضير الوجبة. هذا الانقطاع المعرفي يجعل المطعم تحت رحمة خوارزميات قد ترفعه اليوم وتخفيه غداً، مما يحول المشروع من كيان مستقل إلى مجرد “مطبخ سحابي” فاقد للهوية والسيادة على قراراته التسويقية.
الحقيقة المالية المرة تظهر بوضوح عند تحليل “تكلفة الاستحواذ على العميل” (CAC). عندما يدفع المطعم عمولة باهظة في كل مرة يطلب فيها العميل نفسه عبر التطبيق، فإنه يعيد شراء العميل ذاته مراراً وتكراراً، وهو سلوك انتحاري من منظور الاقتصاد المصرفي. الاستثمار الحقيقي يجب أن يوجه نحو تحويل العميل “العابر” في التطبيق إلى عميل “مباشر” يطلب عبر قنواتك الخاصة. هذا التحول ليس مجرد توفير للعمولة، بل هو بناء لأصل مالي غير ملموس يتمثل في قاعدة بيانات ضخمة تمنحك القدرة على التنبؤ بالطلب وتوجيه العروض بدقة متناهية.
الخروج من هذا الفخ لا يعني الانعزال عن التكنولوجيا، بل يعني امتلاك تكنولوجيا خاصة بك تضعك في مقعد القيادة. التحول نحو أنظمة الطلب المباشر وبناء برامج الولاء الرقمية هو المسار الوحيد لضمان استدامة الربحية في بيئة تزداد فيها تكاليف التشغيل والمواد الأولية. من خلال امتلاكك لنظام “بوينت”، أنت لا تكتفي بتسجيل المبيعات، بل تبني جسراً مباشراً مع عميلك، مما يتيح لك استعادة تلك الـ 30% الضائعة وضخها مجدداً في تطوير جودة منتجاتك أو توسيع نشاطك التجاري بكل ثقة.
نصيحة مهمة: قبل أن تغرق في تفاصيل حملات التوصيل، تأكد أن بنيتك التحتية التقنية قادرة على الصمود. يمكنك مراجعة مقالنا حول مقارنة بين أنظمة الكاشير التقليدية والسحابية لتدرك لماذا يعتبر النظام السحابي حجر الزاوية في استعادة سيادتك الرقمية.
مزيد من حلول المتاجر: ركز على تجارتك واجعلنا شريكك التقني
تشريح العمولات: أين تذهب أرباحك الحقيقية؟
من منظور محاسبي، عندما تتقاضى تطبيقات التوصيل عمولة تتراوح بين 20% إلى 35%، فإنها لا تقتطع من إجمالي الفاتورة فحسب، بل هي فعلياً تقتطع من “صافي ربحك”. إذا كان هامش ربح الوجبة لديك هو 40%، فإن التطبيق يأخذ 75% من ربحك الصافي. تشير إحصائيات من Statista إلى أن قطاع التوصيل في السعودية يشهد نمواً سنوياً يتجاوز 10%، لكن المطاعم التي تعتمد كلياً على الوسطاء شهدت تراجعاً في هوامشها الربحية بنسبة تصل إلى 15% خلال العامين الماضيين.
استعادة الولاء: العميل لك وليس للتطبيق
الهدف الاستراتيجي الأول يجب أن يكون “تملك العميل”. نظام “بوينت” يتيح لك بناء ملف تعريف كامل لكل زبائنك (Customer Profiling). بدلاً من انتظار التطبيق ليعرض وجبتك بجانب عشرات المنافسين، يمكنك إرسال إشعار مباشر لعميلك المخلص بخصم خاص إذا طلب عبر موقعك أو فرعك مباشرة. تؤكد دراسات Harvard Business Review أن زيادة معدل الاحتفاظ بالعملاء بنسبة 5% فقط يمكن أن تؤدي إلى زيادة الأرباح بنسبة تتراوح بين 25% إلى 95%.
مقارنة بين البيع المباشر وعبر تطبيقات الوساطة
| وجه المقارنة | الطلب المباشر (عبر بوينت) | تطبيقات التوصيل (الوسطاء) |
| العمولة | 0% (أرباحك كاملة لك) | من 20% إلى 35% من كل طلب |
| ملكية البيانات | تمتلك بيانات العميل بالكامل | التطبيق يمتلك البيانات ويخفيها عنك |
| الولاء | العميل يرتبط بعلامتك التجارية | العميل يرتبط بـ “أرخص عرض” في التطبيق |
| التدفق النقدي | السيولة في يدك فوراً | تحصيل المبالغ قد يستغرق أسابيع |
| التحكم بالتسويق | ترسل عروضاً مخصصة ومجانية | تدفع مبالغ إضافية لتظهر في المقدمة |
تبني نموذج العمل المعتمد على الطلب المباشر هو بمثابة تأمين مستقبلي لعلامتكم التجارية في وجه تقلبات السوق الرقمي. إن الرحلة نحو استعادة السيادة على أرباحكم تبدأ بقرار شجاع يتمثل في الاستثمار في الأدوات التي تمنحكم القوة، بدلاً من تلك التي تجعلكم تابعين. من خلال توظيف ميزات نظام “بوينت” في إدارة علاقات العملاء، أنتم لا توفرون العمولات فحسب، بل تبنون ثروة من البيانات التي ستكون هي المحرك الأساسي لقرارات التوسع والتطوير في السنوات القادمة، مما يضمن لكم نمواً حقيقياً ينعكس على أرصدتكم البنكية لا على مجرد رسوم بيانية في تطبيقات الغير.
الخلاصة
تذكروا دائماً أن العميل الذي يختبر جودة طعامكم ويقدر الخدمة الدافئة التي تقدمونها، سيسعد بدعمكم مباشرة إذا وفرتم له وسيلة طلب سهلة ومجزية. إن دور التكنولوجيا في المطعم الناجح هو تسهيل هذه العلاقة الإنسانية وتجريدها من التعقيدات والوسطاء الذين يرفعون الكلفة على التاجر والمستهلك معاً. عندما تمتلكون أدواتكم الخاصة، ستجدون أن الريالات التي كانت تذهب كعمولات قد تحولت إلى استثمارات في تدريب فريقكم، أو تحسين ديكورات محلكم، أو حتى افتتاح فرع جديد كان حلماً بعيد المنال بسبب تآكل الأرباح.
في الختام، يبقى الصدق مع النفس ومراجعة الأرقام بصرامة هو السبيل الوحيد للنجاة في هذا القطاع التنافسي. إنني أدعو كل صاحب مطعم إلى إعادة النظر في ميزانيته، والبدء فوراً في وضع خطة تدريجية لتقليل الاعتماد على الوسطاء الرقميين لصالح القنوات المباشرة. النجاح الحقيقي ليس في الوصول إلى أكبر عدد من الناس عبر تطبيقات الآخرين، بل في بناء قاعدة صلبة من العملاء الذين يختارونكم لأنكم الأفضل، والذين تجدون في خدمتهم مباشرةً العائد المجزي الذي تستحقونه نظير تعبكم وشغفكم.
